مراكز استطلاعات الرأي في لبنان تحتاج إلى إعادة نظر في بعض تقنياتها
٢٦ حزيران ٢٠٠٩

قبل اشهر من اجراء الانتخابات اتحفتنا مراكز استطلاعات الرأي بدراسات واحصاءات افضت الى توزيع النواب على القوى السياسية المتنافسة، واجمعت هذه المراكز على منح احد الفريقين المتنافسين اكثرية نيابية بثلاثة نواب، وذهب بعضهم الى تحديد الدوائر "الحامية". ومن خلال متابعة هذه الاحصاءات بنت المعارضة آمالها على نتيجة مفادها انها ستحصل على 67 نائباً كحد ادنى، وراح اقطابها يروّجون لهذه النتيجة وكأنها شبه مؤكدة، لكن حسابات الحقل خالفت حسابات البيدر وانهزمت المعارضة ولم تحصل على الاكثرية لا بل لم تتخط عتبة الـ 60 نائباً.
ان يصدر مركز استطلاع للرأي نتيجة اولية تفيد بفوز باراك اوباما في الانتخابات الرئاسية الاميركية او نيكولا ساركوزي في فرنسا، فهذا امر طبيعي في مجتمع يحترم ارادة الناخبين والاهم هو احترام عقول الناخبين والمواطنين على السواء. اما ان ينسحب الامر على الدول العربية ففي ذلك غرابة، لان الدول المذكورة او على الاقل معظمها لا تؤمن بمراكز الاستطلاع لان نتيجة الانتخابات فيها تظهر قبل اعوام من الشروع في العملية الانتخابية، ولم تات النتائج يوما خلافاً لاستطلاع وحيد يجريه الحزب الحاكم او العائلة المتحكمة في امور البلاد والعباد. وبالطبع فالنتائج تكون اما 90 في المئة او 99 في المئة مع مفارقة سجلها النظام العراقي السابق عندما حصل الرئيس صدام حسين على 100 في المئة.
اما في لبنان، وما يشكله من واحة للحرية في الصحراء العربية الكبرى، فتهافتت مراكز استطلاعات الرأي على توزيع الارقام والاحصاءات يمنة ويسرة. فتارة تعطي لقوى 8 آذار الاكثرية، وطوراً ترجّح التعادل بين الاذاريين، وربما من النادر ما سمعنا عن فوز وازن لقوى 14 اذار في الانتخابات النيابية الاخيرة.

الارقام: الافتقار الى الدقة

حسب ارقام مديري مراكز الاستطلاع فان دائرة الكورة على سبيل الذكر ستشهد معركة حامية بين المرشحين الستة على المقاعد الثلاثة، وسيفوز مرشحان واحد من الموالاة وثان من المعارضة وسيتنافس المرشحون الباقون على المقعد الثالث. واظهرت استطلاعات الرأي لدى هؤلاء ان سليم سعادة وفريد مكاري سيفوزان وتدور المعركة بين فريد حبيب ونقولا غصن، واجمع اصحاب الشركات والمراكز على هذه النتيجة. وبعد الانتخابات فازت لائحة 14 اذار كاملة وحل سعادة في المركز الاخير ولم ينافس بشكل جدي.
هذه "عينة" من نتائج استطلاعات الرأي التي رافقت الانتخابات الاخيرة، واستطلاعات الرأي لم تتوقف عند الكورة بل زحلت الى زحلة واعطت نتائج متقاربة بين الفريقين، ومرة جديدة جاءت النتائج خلافاً للتوقعات واكتسحت 14 اذار المقاعد السبعة.

البصّارات ان حكين

قد يكون من الطبيعي ان تتنبأ شاشات التلفزة وصفحات الجرائد، وان يتكلّم رؤساء مراكز الإستطلاع ورغم فشلهم في استشراف النتائج ولو التقريبية للعملية الإنتخابية. لكنّ الأخطر ما لجأت اليه بعض وسائل الإعلام المرئية من خلال استضافة العرافين والبصارين لإستشراف معالم مجلس النواب العتيد. فعلى احدى المحطات التلفزيونية تكلمت احدى البصارات على نتائج الإنتخابات وعلى سبيل الذكر انها اعطت في دائرة بيروت الأولى مقعدين فقط لقوى 14 آذار، اما عن دائرة زحلة فطالعتنا ان هناك مرشح سينسحب من المعركة.
الأمر يشكّل استخفافا بعقول المشاهدين، الى حد لم تعرفه المجتمعات البشرية في العصر الحديث. قد تكون بعض الوسائل الإعلامية معذورة لأنها تريد ان تسجل سبقاً اعلامياً ولو اتبعت الوسائل غير المشروعة في عالم الإعلام، لكن الطامة الكبرى تكمن في مراكز الإستطلاع او على الأقل في معظمها.
فأحد المراكز اصر على فوز المعارضة بفارق يراوح بين 3 و 5 نواب، ورأى مركز آخر ان الأمور ذاهبة الى تعادل بين فريقي 8 و 14 آذار.
والمستغرب ان ايا من مراكز الإستطلاع هذه لم يعط فريق 14 آذار الفوز بالأكثرية، باستثناء مركز واحد تحدث عن ارجحية بنائب او اثنين.
قد يكون المستطلعون ضللوا مراكز الإحصاء اذ جاءت معركة زحلة محسومة لمصلحة 14 آذار، وكذلك البترون. أما في بيروت الأولى، فكان هناك احتمال حصول خرق لمسعود الأشقر، مع تحفظ عن ذكر نتائج الكورة والبقاع الغربي (رجّح في مقابلات لاحقة فوز 14 آذار)، مع حسم معركة المتن لمصلحة 8 آذار. ويمكن ان المشرفين على هذه المراكز اساؤوا تقدير نسبة المغتربين وكذلك نسبة المشاركة غير المسبوقة في الإنتخابات، وهذا الأمر كان لافتاً حيث وصلت نسبة الإقتراع عند الموارنة في كسروان الى سبعين في المئة وتخطت الثمانين في المئة في بعض مناطق جبيل، عدا عن مشاركة زهاء ثلثي الناخبين المسجلين على لوائح الشطب في دائرتي صيدا وزحلة، وفي المقابل لم تسجل دوائر بيروت اكثر من اربعين في المئة.
وللإنصاف جاءت بعض التصريحات عشية الإنتخابات لتقلب المشهد، وهو الأمر الذي كان يصعب تقدير انعكاسه على الناخبين، علماً ان نشر استطلاعات الرأي كان ممنوعاً بعد تلك التصريحات.

المعارضة: نوم على حرير الأرقام

قبل اسابيع عدة من الإنتخابات اعلنت قوى المعارضة فوزها المؤكد في الإنتخابات، وذهبت الى تحديد حجم كتلتها النيابية بـ 67 نائباً كحد ادنى و70 نائباً كحد اقصى. واكثر من ذلك بدأت تتداول باسم رئيس الحكومة العتيد واسماء الوزراء. كل ذلك كان مبنياً على اعتقاد مفاده ان استطلاعات الرأي كلها تعطي المعارضة الأرجحية في البرلمان. اما على المقلب الآخر فكان فريق 14 آذار يشجع ويراقب حركة الإستطلاعات وكما يقال "يده على قلبه"، ولم يجاهر اقطابه بالفوز على غرار ما فعله أخصامهم السياسيون.

الهبر: اصابت استطلاعاتنا مئة في المئة

مدير عام شركة "ستاستيك ليبانون" ربيع الهبر يعتبر ان الاستطلاع الذي اجراه قد اصاب بنسبة كاملة ويضيف "انا لم اعط الموالاة 70 نائباً، لكن قلت ان التعادل سيكون 64 نائباً لكلا الطرفين، لكن قبل شهر ونصف نشرت استطلاعاً للرأي يشير الى احتمال خرق النائب ايلي الفرزلي وحيثية لمسعود الاشقر مع امكان فوز لائحة 14 اذار يكاملها في الاشرفية وكذلك رجحنا فوز الموالاة في البترون وقدمت دراسة تفيد بخروقات في الشمال الا ان قوى الموالاة عملت على معالجة بعض الثغر مما اتاح لها الحصول على الغالبية النيابية".

سعد: لم انشر أي استطلاع يعطي المعارضة الاكثرية

من جهته يؤكد مدير "مركز بيروت للمعلومات" عبدو سعد ان مركزه وقبل اكثر من شهر من اجراء الانتخابات لم ينشر اي دراسة تفيد بفوز المعارضة، عدا عن استطلاع يفيد بفوز المعارضة في حال تخطت معركة زحلة بنجاح، ويضيف "كنت اعطي ارجحية للمعارضة مع التركيز على دائرة زحلة لان من يفوز فيها يحصل على الاكثرية النيابية لانها جسر العبور الى الغالبية. ومن ثم دأب الجميع على ترداد ما اشرنا اليه" اما عن عدد المغتربين الذين شاركوا في عملية الاقتراع في الانتخابات الاخيرة فيوضح "من الصعوبة تحديد عددهم لكن هناك رقم مرتفع لنسب الاقتراع في عدد من الدوائرمنها زحلة والمتن وكسروان والكورة والمتن وزغرتا وبيروت الاولى، وهذا يشير الى ان الزيادة تعود الى وفود المغتربين، وبما ان هذه النسب المرتفعة لم تكن متوقعة فإن النتائج جاءت على هذا النحو".
وفي هذا الاطار ثمة من يقول ان المعارضة اتت بـ 30 الفاً من المغتربين والموالاة استطاعت حشد ضعفي هذا العدد اضافة الى ان نحو 5 آلاف قدموا على حسابهم الخاص.
"
الدولية للمعلومات": 48 الف مغترب اقترعوا في الانتخابات
في دراسة "الدولية للمعلومات" والتي نشرت اخيرا عن ظاهرة الاتيان باللبنانيين المقيمين في الخارج للمشاركة في الانتخابات، سواء عبر دفع ثمن بطاقات السفر لهؤلاء أو عبر تنظيم رحلات خاصة لنقلهم إلى لبنان، ان اقتراع هؤلاء يعتبر تطوراً مهماً انعكس في الدوائر: بيروت الأولى، زحلة، صيدا، المتن، كسروان، جبيل، الكورة، البترون، البقاع الغربي. وعمدت الماكينات الانتخابية إلى وضع خطة سيرٍ محلية ودولية لا تكتفي بعملها التقليدي بنقل الناخبين من أماكن إقامتهم إلى أماكن اقتراعهم، بل عملت على استقدامهم وتكبد الاموال الهائلة وسط تضارب في الارقام حول عدد المغتربين. وتشير الدراسة الاخيرة الى الاتيان بزهاء 48 الف مغترب، وخصوصاً من السعودية والامارات العربية المتحدة فضلاً عن فرنسا والولايات المتحدة الاميركية.
وللدلالة على عدد الآتين للمشاركة في الانتخابات تبين أرقام المغادرين خلال الأيام العشرة التي سبقت وتلت الانتخابات ارتفاعاً ملحوظاً في عددهم يفوق مستوياته العادية. ولدى إجراء مقارنة بين حركة المغادرين خلال هذه الفترة من العام الماضي يتبين أيضاً ارتفاع عدد المغادرين، ما يمكّن من الجزم أنّ عدد الأربعين ألف مغترب الذين شاركوا في الانتخابات النيابية هو عدد قريب من الحقيقة. فخلال الفترة من 7 حزيران 2008 وحتى 17 حزيران 2008 بلغ عدد المغادرين 46,600 مغادرٍ، بينما ارتفع العدد خلال الفترة نفسها من العام الحالي 2009 إلى زهاء 65,053 مغادراً، فإذا احتسبنا نسبة النمو الطبيعية يكون عدد المغادرين الإضافي هو من 12 الى 15 ألف مغادر، مع الإشارة إلى أنّ قسماً كبيراً من الآتين الذين شاركوا في الانتخابات ربما قرّروا تقديم موعد عطلتهم السنوية وسيبقون في لبنان لأسابيع إضافية، وهؤلاء لن ترد أعدادهم بين أعداد المغادرين.
انتهت الانتخابات التي أنفِقت فيها أموال طائلة بشكلٍ غير مسبوق، ففاز مرشحون وخسر آخرون وتمكّن قسم من اللبنانيين من زيارة وطنهم مجاناً واعتبروا أنفسهم كسبوا منفعةً من المرشحين، لكن المؤكد أنّ اللبنانيين يخسرون وطنهم عندما يصبح المال والتحريض الطائفي الوسيلتين الأساسيتين للوصول إلى مجلس النواب .
ملاحظة حول المنهجية: لقد أوضحت الدولية للمعلومات المنهجية المتبعة لاحتساب العدد المقدر للآتين بهدف الاقتراع. ويعتبر الرقم 48,000 تقريبياً وأقرب الى الواقع من الأرقام التي تم التداول بها. وقد يكون العدد الحقيـقي للمغتربين، لكن ثمة أرقاماً تقول ان العدد قد تخطى الـ 100 ألف.
قد تكون مراكز نشرت بعض استطلاعات الرأي غير الصحيحة، لكن هل يجب محاسبة القيّمين عليها؟ انه سؤال مشروع ويجب عدم الركون الى دراسات لا تستوفي الشروط العلمية، الا انه في بلد مثل لبنان يكاد من شبه المستحيل التكهن بالمستقبل. وعلى سبيل المثال ان من يستمع لمشاكل الناس، اي الناخبين، قبل الانتخابات يركن الى اعتقاد مفاده ان هؤلاء لن يصوتوا للنواب الذين سبق ان اعطوهم اصواتهم في الدورات السابقة، ولكن يوم الاقتراع يعمد معظم هؤلاء الى اعادة انتخاب النواب ومن ثم يواصلون التذمر منهم.
انه امر يحير الانس والجن على السواء، وما ادراك كيف تكون نتائجه على اصحاب مراكز الدراسات؟

عباس الصباغ  

(النهار)

 
 
 
3 2 1
20 Nov 18
مكاري بعد لقائه المطران عودة: الحل الوحيد لتشكيل الحكومة هو اتباع الدستور