أوّل غيث الثقة الجديدة بين الموالاة والمعارضة: تشطيب متبادَل
٢٦ حزيران ٢٠٠٩

اجتازت الموالاة والمعارضة، البارحة في مجلس النواب، أول امتحان للثقة الجديدة التي عبّرتا عنها بعد نتائج انتخابات 7 حزيران، بأن تبادلتا التشطيب عند التصويت لانتخاب رئيس المجلس نبيه برّي ونائبه فريد مكاري. وأظهر الفعل ورد الفعل، في الوقت القصير الفاصل بينهما، أن لا مغزى للتعّهدات التي يقطعها كل منهما للآخر، ما داما قد طويا على زغل نتائج الانتخابات. لم يُعطَ الرابح حق الانتشاء والشماتة، ولا تقبّل الخاسر النتائج بما يتخطى كلام المجاملة.
ومع أن ما حصل في جلسة انتخاب هيئة مكتب المجلس يمكن عدّه زكزكة وأقرب إلى نكايات متبادلة، أراد من خلالها كل من الطرفين تقديم عرض عضلات مبكر لعلاقتهما في المرحلة المقبلة، فإن فحوى التشطيب المتبادل للأصوات، بالأوراق البيضاء تارة وبالاقتراع لأسماء لا صلة لها بجلسة الانتخاب طوراً، أبرز عدم جدّية تلك التعهّدات، مكّن ذلك كلاً منهما من أن يتسلّح مجدّداً بطلب ضمانات، بعدما بدا في الأيام الأربعة الأخيرة أن المواقف الإيجابية المتبادلة، ومظاهر الانفتاح والتعاون والرغبة في صفحة جديدة، تتيح تعويض الضمانات المطلوبة للطرفين معاً بإرساء ثقة جديدة بينهما.
ذلك أن اقتراع الموالاة لبرّي بعدد كبير من الأوراق البيضاء أو الملغاة، رمى إلى تذكيره بأنه سيكون مديناً لها بفوزه بالولاية الخامسة الذي تقبّله بعض غلاتها على مضض. وهو ما أعاد تأكيده بعضهم بعد الجلسة. بدوره اقتراع المعارضة لانتخاب مكاري بعدد مماثل من الأوراق البيضاء أو الملغاة ـــــ فلم يحصل منها إلا على أربعة أصوات فقط ـــــ توخى توجيه إشارة إلى الفريق الآخر، مشكّكة في صدق التعهدات التي قطعها لها، رغم ربط رئيس الغالبية النائب سعد الحريري إعادة انتخاب برّي بالمحافظة على الاستقرار والسلم الأهلي والوحدة الوطنية والتعاون المرتقب.
والأحرى أن هذين التفسيرين، والشكوك المتبادلة، تصحّ بسبب رغبة كل من برّي ومكاري في الحصول على أعلى نسبة من الأصوات، يمكن أن تلامس الأكثرية المرجّحة. وكان كل منهما يعرف سلفاً الجهات التي ستقترع له بأوراق بيضاء بعدما جهرت بموقفها هذا. قال نواب أحزاب الكتائب والقوات اللبنانية والوطنيين الأحرار، وكذلك نواب مستقلون، إنهم سيقترعون لبرّي بأوراق بيضاء كي يقولوا له إن أصواتهم عاجزة عن الحؤول دون انتخابه، إلا أنهم يسجّلون تحفظهم عن هذا الانتخاب. وكان مكاري يعرف هو الآخر أن كتلة الرئيس ميشال عون وحلفائه لن تقترع له، وسيحتفظ بحدّ أدنى من الأصوات يجعله يحافظ على عدد قريب من الرقم الذي حازه في انتخابات 2005، في أحسن الأحوال، وهو تصويت 102 نواب له. وكان قد فاخر سنتذاك بأنه تقدّم به على رئيس المجلس. إلا أن أصوات «الفكاهة الانتخابية» ـــــ والعبارة لبرّي ـــــ التي أُلقيت في الصندوقة، واستحضرت نواباً كباراً راحلين كالرئيس صبري حمادة ونائبي رئيس المجلس منير أبو فاضل وألبير مخيبر، فضلاً عن أسماء لا صلة لها بمسار جلسة الانتخاب، عبّرت عن استخفاف غير مسبوق وتعاط مبتذل، حيال جلسة كان الطرفان يتوقعان أن تكون نموذجاً معبّراً عمّا ستؤول إليه الصفحة الجديدة في علاقة الموالاة بالمعارضة.
عزّز وجهة النظر هذه، أن انتخاب برّي رئيساً للمجلس كان موقفاً سياسياً أكثر منه حساباً إحصائياً يعوّل على قرار الأكثرية النيابية، وأن تأييد الحريري ورئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط له ينبثق من توازن القوى الداخلي وعناصر الاستقرار التي ثبّتها اتفاق الدوحة، عندما اعترف بقطبيها السنّي والشيعي، وأخذ في الاعتبار مصالحهما والتسليم بإرادة كل منهما في حماية هذه المصالح. كان اتفاق الدوحة، قبل انتخابات 2009 وبعدها، أول إشعار يتجنّب الموالون والمعارضون الاعتراف به، وهو أن الحكم في لبنان لن يستقيم بعد اليوم ـــــ وفق توازن القوى الحالي على الأقل ـــــ تبعاً لحساب الغالبيات والنُصب القانونية التي ترجّح كفة فريق على آخر. حدث ذلك عندما ثبّت اتفاق الدوحة انتخاب رئيس الجمهورية ميشال سليمان عملاً بما نصّت عليه المادة 49، وهو نصاب التوافق، أي الثلثان اللذان يشتركان في هذا التوافق. وعندما وزّع حصص حكومة الوحدة الوطنية ومنح المعارضة نصاب الثلث الزائد واحداً كي يتوازن مع إعطاء قوى 14 آذار نصاب الأكثرية المطلقة. وسيثبّت توزيع حصص الحكومة المقبلة وفق معادلة مشابهة تتجاهل نتائج انتخابات 2009 ـــــ بعدما كانت قد تجاهلت نتائج انتخابات 2005 ـــــ بحرمان الموالاة والمعارضة معاً أي نصاب يرجّح كفة أحدهما على الآخر، ما لم يحصل الاثنان على النصاب الذي يقيم توازن التعطيل، ويمكّنهما من تبادل إشهار سلاح نصاب التعطيل.
يكمن في ذلك مغزى قول رئيس الجمهورية إنه ضد إعطاء أي من الموالاة والمعارضة نصاباً مميّزاً ينطوي على إرادة التعطيل، وكذلك مغزى قول برّي إنه مع حكومة لا أكثرية فيها ولا أقلية، وتالياً لا نصاب لأحد دون الآخر، ومغزى ما يُنسب إلى الحريري في عدم ممانعته ترؤس حكومة وحدة وطنية وفق معادلة 15 + 10 + 5 التي تربك حلفاءه وتظلمهم لأنها تحرمهم الأكثرية المطلقة، بعد أسابيع قليلة من ابتهاجهم بانتصارهم.
بذلك يشترك سليمان وبرّي والحريري في القول إنهم يدعمون الآن «روحية اتفاق الدوحة». ولا تعني هذه العبارة إلا تأكيد عناصر الاستقرار والتمسّك بها، والمحافظة عليها، وقد خلفتها نتائج حرب 7 أيار 2008. لم تكن هذه تقتصر على مشكلة القرارين، بل أيضاً على ضرورة وضع حدّ لاستئثار فريق بحكم لبنان دون فريق آخر.

 

 

نقولا ناصيف

(الأخبار)

 
 
 
3 2 1
20 Nov 18
مكاري بعد لقائه المطران عودة: الحل الوحيد لتشكيل الحكومة هو اتباع الدستور