سلطة "تشريحية" ؟!
٢٦ حزيران ٢٠٠٩

أولاً: مبروك للرئيس نبيه بري تجديد ولايته لرئاسة مجلس النواب مرة خامسة. وهو ما يدخله او ربما يؤهله، لا ندري، لدخول قاموس غينيس كمحطم للرقم القياسي في رئاسة البرلمانات.
ثانياً: مبروك للذين صدّقوا امس ان السمن لم يمتزج بعد بالعسل. فلقد تحوّلت جلسة انتخاب الرئيس ونائب الرئيس وهيئة مكتب المجلس عملية تراشق بالرسائل والاوراق، سواء أكانت بيضاء أم كانت تحمل اسماء من خارج سياق النواب والعملية الانتخابية، وحتى من خارج سياق الحياة الدنيا. وذلك اما على سبيل الغمز السياسي الرخيص والفظّ، وقد استُحضر اسم الامير مقرن بن عبد العزيز عبر عقول اللوثة التي لا تحتاج الى تعريف، او على سبيل الاستهزاء التافه، وقد استحضر حتى اسم فريد الاطرشّ!

حصل الرئيس نبيه بري على 90 صوتاً من اصل 127 نائباً حضروا الجلسة. وهو اقل من الرقم المتوقّع الذي كان يصل الى 110 اصوات. وقد وجدت 28 ورقة بيضاء، لا ندري من اين هبطت في الصندوق.
واذا كانت اصوات نواب القوات والكتائب وبطرس حرب قد اعلنت سلفاً انها ستختار الورقة البيضاء، فمن اي سماء هبطت الـ 17 ورقة الاخرى؟! ربما لم تهبط - على ما يؤكد البعض في "كتلة لبنان اولاً" - من السماء الزرقاء التي اختارها سعد الحريري شعاراً، وكان قد اكد من عين التينة اول من امس تأييد الكتلة للرئيس بري.
اذاً هل يمكن ان تكون قد هبطت من السماوات الاخرى، وما اكثرها في لبنان، وفيها الصفراء والخضراء والبرتقالية والحمراء؟
طبعاً هذا الامر ليس واضحاً تماماً، ولكن موجة من الوشوشات والهمس رصدها الصحافيون بين نواب المعارضة، اوحت للبعض منهم ان "كلمة سر" انطلقت حتى قبل التصويت لرئاسة بري، ما اثار شكوكاً فيها وجهة نظر، ومفادها ان شرائح معارِضة ربما ارادت تلغيم الجو الوفاقي بين بري والحريري بالاوراق البيضاء!
ولأن 90 صوتاً فقط لا غير اعتبرت "نكولاً" بأجواء السمن والعسل، فقد جاء الرد سريعاً في عملية التصويت لنيابة الرئاسة، حيث حصل النائب فريد مكاري على 74 صوتاً في مقابل 25 ورقة بيضاء حملتها جوقة الاسماء الاخرى المستحضرة وقد انشدت مع فريد الاطرش:
"
اشتقتلك اشتقتلك سلام من روحي ابعتلك".

كانت كلمات رئيس السن النائب عبد اللطيف الزين لا تزال في فضاء القاعة وهي تدعو الى الخروج من "خنادق الانقسام الى رحاب المصالحة الوطنية..". كذلك كانت اصداء كلام الرئيس بري ما زالت في الاذهان وقد كرر اول من امس، بعد اجتماعه مع النائب سعد الحريري. دعوته الى تذويب 8 و14 آذار في حكومة وحدة وطنية. وهو ما تعتبره اوساط "التيار الوطني الحر" أحجية بعينها، وهي محقة في هذا.
كل هذا كان في الاذهان، عندما تحوّلت جلسة البرلمان الجديد امس مسطرة، او بروفة تكشف ما الذي ينتظرنا وراء الأكمة غداً. وتدفعنا تكراراً الى السؤال:
هل يمكن فعلاً تذويب الاكثرية والمعارضة في "صبّة" حكومية واحدة؟ ومن اين اهتدى الرئيس بري الى هذا "النيدو السياسي سريع الذوبان"؟!

سريعاً ستنتهي عملية الاستشارات، وسريعاً سيتم تكليف زعيم "تيار المستقبل" تشكيل الحكومة الجديدة، وعندها قد تقفز الارانب من وراء الأكمات، فيكون عليه ان يرفع صخرة سيزيف طويلاً، قبل ان يذوب الحليب، وربما يضطر امام العقد والعراقيل والشروط التعجيزية لأن يقول للجميع: في الصيف ضيّعتوا اللبن!
تكراراً هذا كلام لا يأتي من التطيّر او السلبية، بل من التحوّط والحذر. فلقد قدمت لنا فصول جلسة البرلمان وما شهدته امس من التراشق بالرسائل والملاكمة بالاوراق البيضاء وبالكمائن، ما يساعدنا على القول:
بكّير. لم يصل العسل ولا اختمر اللبن، والدليل اننا لا نزال تقريباً امام سلطة "تشريحية" لا تشريعية، والحق ليس على النواب بمقدار ما هو على النوائب الاقليمية والدولية التي تتقاطع فوق لبنان، وتعصف بنا ونحن اوراق الخريف.

راجح الخوري     

(النهار)

 
 
 
3 2 1
20 Nov 18
مكاري بعد لقائه المطران عودة: الحل الوحيد لتشكيل الحكومة هو اتباع الدستور