لبنانان انتخابيان:النموذج التعددي المسيحي الباهر...الآحادية السنية، الشيعية، الدرزية المسيطرة
١٠ حزيران ٢٠٠٩
I

كأننا "بلدان" متداخلان... لا بلد واحد كما أظهرتنا هذه الانتخابات. فمقابل مشهد "الحزب – الطائفة" لدى كل من السنة والشيعة والدروز، كشف المشهد المسيحي عن حيوية مدعاة للاعجاب لدى كل شرائح البيئة المسيحية من بيروت الى الجبل فالشمال فزحلة. كل الطبقات الاجتماعية، كل التيارات السياسية، الكنائس، المثقفون، الاحزاب كانت منخرطة في الصراع الانتخابي لدى المسيحيين، وكل شريحة، كما الافراد، تحاول الدفاع عن فكرة ما عن لبنان السياسي او مصلحة ما في رؤيته، عبر الانتخابات. حيوية من التنوّع ذات نفس كفاحي: الاريستوقراطية، البورجوازية، ذوو الدخل المحدود، العمال، الموظفون، المزارعون، المدن، الضواحي، الارياف لا يقارن حضورها التعددي عند المسيحيين بالآحادية الكاسحة لدى السنة والشيعة والدروز. البورجوازية المسيحية كانت صاحبة حضور خلافاً للبورجوازية التافهة عند الشيعة كما الدروز، المستسلمة للآحادية السياسية بدون اية رؤيا او مشروع في هاتين الطائفتين، فيما البورجوازية الجديدة لدى السنة تنجح هذه المرة بضبط وتوسيع الآحادية السياسية للطائفة، كما تفعل المؤسسة الدينية – الحزبية عند الشيعة، والمؤسسة الاريستقراطية الحزبية عند الدروز، في حراسة صارمة لهذه الآحادية الا ضمن تطعيم شكلي غير جوهري. الركاكة العائلية السياسية عند الشيعة والدروز والسنة، أين منها قتال العديد من البيوت السياسية الراسخة عند المسيحيين. الخواء والتهالك لدى الاحزاب العقائدية اليسارية التقليدية لدى الطوائف السنية، الشيعية، الدرزية، اين منها نشاطية واندفاع وقوة الاحزاب الجديدة القديمة لدى المسيحيين.
اذا كان هذا التنوع الناجح السياسي الفكري الايديولوجي الثقافي لدى المسيحيين كما ظهر في الانتخابات، وفي نتائجها، رغم كل المؤثرات "الخارجية" (أعني هنا السنية، الشيعية، الدرزية!!) هو "لبنان القديم" فإنني سأكون حزيناً جداً ان يكون هذا "اللبنان القديم" قد مات... واذا كان هذا التنوّع المثير للاعجاب يعبر عن صورة ما يجب ان يكون عليه لبنان الجديد من حيوية وتقاطعات، فإنني ارغب بالانتماء السياسي الى لبنان الجديد هذا. اي انني – باختصار – ارغب ان تكون مناطقنا ومساحاتنا المسلمة بهذه الصورة التعددية، بحيث تتصارع ديموقراطياً ودون استئصال ولا إلغاء كل التيارات الاجتماعية والسياسية والدينية والفكرية.

II

لا شك ان الظاهرة السياسية الاقوى في انتخابات 7 حزيران كان "التسونامي السني الحريري". لقد بدا الصوت السني "العملاق الانتخابي" الاول على المستوى اللبناني حتى في دوائر لم يكن منتظراً ان يلعب فيها اي دور جدي. لقد اكتشفنا في هذه الانتخابات "دوائر سنية" غير منظورة بهذا الشكل سابقاً، فكيف حيث حسم "العملاق السني الانتخابي" دوائر الى حد كاد يغيّر في هويتها الديموغرافية نفسها. واذا كان الصوت الشيعي هو "العملاق الآخر" من حيث القدرة على الترجيح في بعض الدوائر، فقد بدا الصوت السني هذه المرة اكبر واكثر قدرة على التأثير من اقصى الشمال الى صيدا ومن بيروت الى بعض الجبل ونصف البقاع بأكمله.
ها نحن اذن امام حيوية عالية وهجومية للسنية السياسية مقابل التماسك الجاهز للشيعية السياسية، باعتبارهما القوتين الرئيسيتين اللتين تتجاذبان البلد وموقعه الاقليمي – الدولي، هكذا ردت السعودية (مع مصر) ففازت بانتخابات 2009 رداً على فوز ايران (وسوريا) في الانتخابات الفلسطينية عام 2006.
السوسيولوجيا السياسية اللبنانية جاهزة الفوران ولهذا يمكن القول انه اذا كان القرار الاقليمي هو التوتير في لبنان فإن هذه الانتخابات – بعيداً عن الاحتفالية الديموقراطية – نقطة انطلاق اكيدة نحو الحرب الاهلية بين الشيعة والسنة، او لكي نكون اكثر عدلاً في استخدام الكلمات، بين الطائفية السنية والطائفية الشيعية.
من حسن الحظ الآن ان الميول الاقليمية – ومعها اشارة المرجع الاميركي العاقل الرئيس باراك اوباما امس الاول في دعوة حكام لبنان الى التوافق – هي ميول تهدئة، ولكن هل اصبحت تسووية؟
الفارق كبير بين التهدئة والتسوية. لان "القرار" حتى الآن – كما يستشعره المراقب – هو ابقاء العصبيتين مستنفرتين... دون الوصول الى الصدام؟
من حسن الحظ اساساً على هذا الصعيد اننا بلد تابع بالمعنى البنيوي للكلمة عبر التركيبتين السنية والشيعية تحديداً، فإذا انفتحت الآفاق السياسية على الحوار والحلول في المنطقة وهو ما يبدو انه الاتجاه الاميركي في الملفين الفلسطيني والسوري، فإنه علينا انتظار نتائج الانتخابات الايرانية لنرى هل المسار التفاوضي المستجد بين واشنطن وطهران هو مسار بطيء – اذن خطر – او هو مسار نشيط مما يساهم في التهدئة الاميركية للهواجس السعودية تنعكس مباشرة على لبنان؟

III

خلافاً للضجيج الزحلاوي، على اهميته العددية في حسم الاكثرية النيابية، فإن دائرة الاشرفية هي الدائرة النوعية التي تعرّض فيها التيار العوني الى هزيمة مسيحية شبه صافية، مقابل انتصاره الاكيد في دوائر جبل لبنان المسيحي الاربع، بعبدا، المتن الشمالي، كسروان، جبيل، لكن مع انتقاله في هذه الدوائر من الاكثرية الكاسحة عام 2005 الى الاكثرية الغالبة عام 2009. لقد خسر بشكل واضح دائرتي البترون والكورة في الشمال، انما ايضاً ضد اكثرية غالبة – لا كاسحة – حققها اخصامه في هذين القضاءين، في وقت حقق فيه حليفه سليمان فرنجيه انتصاراً - بالمقاييس نفسها – في دائرة زغرتا ناهيك عن مكسب "التيار" في جزين.
خلافاً للضجيج الزحلاوي، اكاد اقول انه حتى لو لم يخسر ميشال عون وايلي السكاف قضاء زحلة، كان انتصار اخصامه في الاشرفية انتصاراً كبيراً ذا مدلول نوعي على معنى القيادة العونية حين يكون رأسها المديني... "مقطوعاً"...
ميشال عون قياساً بحجم العبء السياسي الذي يحمله من تحالفه الصعب على المستوى الوطني – ورغم مكاسبه من الصوت الشيعي في بعبدا وجبيل – اظهر قوة كبيرة في احتفاظه النيابي الساحق بدوائر جبل لبنان، وبصورة خاصة لا تحتمل الالتباس، اي التباس، في كسروان، ويجب ان نضيف جزين، التي صوتت بطريقة معاكسة: اي مع الاستغناء عن "الصوت الشيعي" الذي نالت بعضه لائحة "التيار الوطني". فحجم الفارق في الاصوات اظهر تصويتاً مارونياً كثيفاً جعل "الصوت الشيعي" غير مرجح عملياً.
لكن هذه التجربة الحزبية العونية التي تبدو كمحاولة كبيرة جديدة لاعادة تنظيم الطبقة الوسطى المسيحية، ظهرت في الاشرفية عاجزة انتخابياً عن تحقيق رسوخ مديني مسيحي. فإذا كانت زحلة نامت كاثوليكية وأفاقت سنية، فإن اجراس الاشرفية لا تترك مجالاً للشك ليس فقط في هويتها الانتخابية باعتبارها الجزء المسيحي الثابت والراسخ في العاصمة، بل في ان رنين هذه الاجراس لا يمر، كما في الارياف بين وديان طبيعة صامتة تشهد عليها الاديرة الاكثر صمتاً، بل يمر هذا الرنين بين جدران وردهات مؤسسات تعليمية وثقافية ومصرفية وديبلوماسية واعلامية... قالت كلمتها في "الدائرة الاولى".

IV

يقوم المشروع الايراني في حماية المنصة العسكرية الاستراتيجية في جنوب لبنان ضد اسرائيل على الحفاظ على سقف الدولة اللبنانية في تجديد توازن قلق: منع غياب الدولة ومنع تغيير (تكثيف) حضورها العسكري. لا مصلحة للمشروع في تلاشي الدولة ولا مصلحة له في اطلاق يدها بالكامل...
المشروع السعودي يقوم على ممانعة المشروع الايراني عبر القوة السنية اساسا. ممانعة تعتمد سياسة حافة الحرب الاهلية وليس الحرب الاهلية. استنفار دون قتال. مواجهة سياسية دون استرخاء، من ضمن صورة المنطقة ما بعد العراق.
المشروع السوري سيبدأ بالتمايز عن المشروع الايراني إذا انفتح افق الحل السياسي لاسترجاع الجولان المحتل... النقطة المشتركة الرئيسية بين المشروعين في جنوب لبنان.
لنا مصلحة لبنانية وطنية في "الحل السوري"... يا بعض ضيقي الأفق!

 جهاد الزين- النهار   

 
 
 
3 2 1
20 Nov 18
مكاري بعد لقائه المطران عودة: الحل الوحيد لتشكيل الحكومة هو اتباع الدستور