مكاري لـ"المسيرة": رئاسة مجلس الشيوخ للأرثوذكس عملاً بالمناصفة وهل أبو موسى مكلف بالتنصل من التعهدات؟
٢٢ كانون الثاني ٢٠١٠

طالب نائب رئيس المجلس النيابي فريد مكاري بإعادة الاعتبار الى الطائفة الأرثوذكسية في الإدارة العامة. وشدد في حديث الى مجلة "المسيرة" ينشر السبت 23 كانون الثاني على وجوب أن تكون رئاسة مجلس الشيوخ لأحد أبنائها، عملاً بمبدأ المناصفة. واعتبر طريقة جنبلاط بالتوجه نحو سوريا غير مقبولة. وشجب كلام أبو موسى واستخدامه ساعي بريد، وهنا نص الحديث:

 

 

بما أنك نائب رئيس المجلس النيابي، هل تتوافق مع طرح الرئيس نبيه بري تشكيل هيئة لإلغاء الطائفية السياسية، لماذا؟!

-ينقسم هذا الموضوع شقين: دستوري وواقعي. في الشق الدستوري، تشكيل الهيئة بند في الطائف ولكن هذا لا يعني أنه البند الوحيد المتبقي لتطبيق الطائف. فثمة بنود أخرى، منها موضوع اللامركزية الإدارية، ومجلس الشيوخ، وسواهما... وبالتالي، المطالبة بالموضوع صحيحة من حيث المبدأ، وهذا مبتغى عند اللبنانيين، لكن علينا أن نأخذ في الاعتبار الواقع على الأرض الذي لا يسمح بإلغاء الطائفية. ثمة فارق كبير بين تأليف الهيئة وإلغاء الطائفية.

عندما طرح الرئيس بري هذا الموضوع في إحدى الجلسات مع مقرري اللجان وبعض الزملاء كانت لدي وجهة نظر: تأليف هذه اللجنة قد يساعد على تحضير الأرضية لهذا الموضوع، وأعني بذلك في حال تألفت اللجنة اليوم لا يعني أن الطائفية السياسية قد ألغيت أو ستلغى فوراً، ولكن من خلالها يمكننا أن نطرح العوائق التي لا تسمح بتطبيق هذا البند من الطائف. والبند الأساسي في هذا الموضوع هو أن كل الطوائف خائفة ما عدا طائفة واحدة لأنها تمتلك السلاح. وطالما هذا السلاح موجود بين أيدي فريق وليس مع الآخرين (ونحن لا نتمنى أن يصبح لدى الآخرين أسلحة بل نتمنى أن يكون سلاح هذا الفريق تحت إمرة الدولة اللبنانية)، ثمة طوائف ستبقى خائفة.

هناك مشكلة ثانية: كيف يمكننا إلغاء الطائفية السياسية وهي متأصلة في عقول الناس؟ كذلك علينا أن ندع الانتشار اللبناني يشارك في الاقتراع، وإلا ستكون الأكثرية العددية لطائفة معينة وبالتالي هي التي ستسيطر.

نعم أوافق على قول الرئيس بري إن تشكيل الهيئة لا يعني إلغاء الطائفية، لكن في لبنان، وقد أثبت التاريخ ذلك، ليس كل ما يقال يطبق وليس كل شيء لا يقال، لا يطبق. لذلك، اليوم ليس ثمة إجماع لبناني على إلغاء الطائفية. إذا استطعنا من خلال طاولة الحوار أن نحل مشكلة السلاح وأن نزيل هذا الخوف ونتوصل من خلال المجلس الى الموافقة على حق المغتربين بالتصويت والحصول على الجنسية اللبنانية، يصبح إمكان طرح الهيئة مقبولاً حتمًا.

 

هل طرح تشكيل هذه اللجنة هو عملية تحويل الأنظار عن سلاح حزب الله أم هو للمقايضة به؟

- سآخذ في الاعتبار التفسير الذي قاله الرئيس بري، وأيضًا التفسير الذي اقتنع به الناس. الرئيس بري قال إن من واجباته، وبعد عشرين عامًا وأول مجلس نيابي لا يمس بشرعية انتخابه، أن يطرح هذا الموضوع. أما من الناحية السياسية، فثمة تفسيرات عدة. ثمة شرط وضعته الأكثرية النيابية أن يكون الحوار حيال الاستراتيجية الدفاعية فقط وسلاح حزب الله، ربما قد يكون الهدف من طرح هذا الموضوع تعطيل بند الاستراتيجية الدفاعية والبحث في سلاح حزب الله، وهذا أحد التفسيرات التي أعطيت.

 

 

 

 

 

كيف تقرأ الزيارة التي قام بها الرئيس الحريري الى سوريا، خصوصًا أن الشارع السني بدت عليه علامات الامتعاض منها؟

-اقتناعي لم يتغيّر في هذا الموضوع. لو ذهب الرئيس الحريري الى سوريا كشخص لكان لومي له كبيرًا جدًا. لو ذهب كنائب أو زعيم لكتلة نيابية لكان لومي له أكبر. لكنه ذهب كرئيس حكومة كل لبنان، فهو مضطر الى أن تكون لديه علاقات مع بلد مجاور للبنان بحجم سوريا توجد بيننا وبينه روابط اجتماعية واقتصادية وحدود مشتركة. فذهابه كرئيس لمجلس الوزراء لا غبار عليه أبدًا، ولا أعتقد أنه قدم تنازلات، بل بالعكس زيارته تتويج لثورة الأرز واستكمال لها.

 

ما هي نتائج هذه الزيارة حتى الآن؟

- المواضيع التي بحثت خلال الزيارة تهم اللبنانيين في الدرجة الأولى. الإجابات الشفهية من الرئيس الأسد الى الرئيس الحريري كانت مريحة ومطمئنة وواعدة. ولكن حتى الآن لا شيء تحقق منها، ونحن ننتظر، ونأمل بأن تكون ثمة فرصة أمامنا لتحسين العلاقة ولتحقيق انجازات تاريخية في هذا المجال.

 

كيف تقرأ تصريح العقيد أبو موسى، مسؤول فتح الانتفاضة، الذي رفض تسليم السلاح الفلسطيني خارج المخيمات؟ أليست رسالة سورية للدولة اللبنانية، خصوصًا لزيارة الرئيس الحريري الى سوريا؟

-بحسب ما نقل إلينا الرئيس الحريري أن أجوبة الرئيس الأسد كانت واعدة. في التاريخ اللبناني دائمًا الأجوبة السورية واعدة بحل الأمور، ولكنها لم تحل. وهذه المرة سأكون متفائلاً، ولكنني  أؤمن بالقول عندما ألمس. لكن الكلام الذي قاله العقيد أبو موسى هو إشارات غير مريحة تناقض الوعود التي سمعناها من الرئيس السوري للرئيس الحريري.

كلنا نعرف أين يقيم أبو موسى وكلنا نعرف من هو غطاؤه السياسي والعسكري، وبالتالي نأمل ألا تكون مواقفه رسالة ممن يغطيه ويحميه، موجهة الى الرئيس الحريري من مدينته صيدا، ونأمل ألا يكون العقيد مجرد ساعي بريد مكلّف بايصال رسالة تنصّل من الالتزامات والتعهدات. نحن مقتنعون بأن الأمر يستحق المحاولة مع سوريا من أجل حل القضايا العالقة، ومحاولة تحقيق تغيير تاريخي في طبيعة العلاقة والتعاطي، ولكن عندما تصلنا رسائل من هذا النوع، نخشى ألا يكون تغير شيء.

في كل الأحوال، ايّاً كانت خلفيات تصريحات أبو موسى، كلامه يشكل تحدياً وقحاً للدولة والحكومة وللجيش في لبنان، واهانة وانتهاكاً للسيادة اللبنانية، ويشكل استخفافاً بقرارات الحوار الوطني في شأن السلاح الفلسطيني خارج المخيمات. وهي قرارات اتخذت بالاجماع، وأعتقد بأن كل اللبنانيين ارتاحوا الى الموقف المطمئن الذي صدر عن مجلس الوزراء في هذا الشأن.

على كل حال، اللبنانيون لا يستغربون هذا الكلام من أبو موسى الذي كان له دور أساسي في أحداث نهر البارد، من خلال تغذية ظاهرة فتح الاسلام وتوفير السلاح لها، وهذا الجرح الذي دفع الجيش اللبناني ثمناً باهظاً له لم يلتئم بعد.

 

النائب وليد جنبلاط حليفكم السابق يقول إن الطريق الى سوريا أصبحت شبه مفتوحة أمامه، ما تعليقك؟

-لقد كان وليد جنبلاط من الفاعلين في 14 آذار، لكنه أراد أن ينتقل الى موقع وسطي، هذا موضوع يعود إليه. أنا مقتنع بأن من لا يرغب في البقاء في مسيرة 14 آذار، وجوده خارجًا أفضل من وجوده داخل المسيرة، لأنه يصبح معطلاً أكثر منه مفيدًا. وجود أي عنصر متردد في صفوف 14 آذار قد يشكل عامل تقييد لها في مواقفها وتحركاتها.

المصالحات داخل الوطن إيجابية، لكن الطريقة التي اتبعها جنبلاط غير مقبولة بالنسبة إلي. نحن مع كل حركة تصب في خانة التهدئة والحوار واعادة الحياة السياسية الى مسارها الطبيعي، من دون تشنج وتوتر، ولكن المؤسف في نظري وفي نظر الكثر من اللبنانيين على ما أعتقد، أن هذه المصالحات أو المصارحات، مهما كان اسمها، تبدو كأنها ضريبة أو رسم مرور أو حتى لائحة مواصفات وشروط مطلوبة من بعض الأفرقاء السياسيين للنجاح في الامتحان، وهذا ما يوحي بأن هناك تنازلات يتم تقديمها، وبالنسبة الى وليد جنبلاط تبدو كأنها مسابقات في امتحان للذهاب الى سوريا. هو يقول إن ثلاثة أرباع طريقه الى دمشق أصبحت معبدة، وان شاء الله إذا كانت لديه هذه الرغبة، تتعبد بسرعة، فوزارة الأشغال تحت تصرفه (مازحًا).

 

بما أنك من أبرز الوجوه الأرثوذكسية المسيحية في لبنان، كيف قرأت نصائح نصرالله للمسيحيين؟

-لدى المسيحيين قيادات ورجال دين،  وهم الأجدرباعطاء النصائح للمسيحيين لأنهم يدركون ماهية المسيحية ومَنْ هم المسيحيون بالنسبة الى لبنان. لا أعتقد بأن المسيحيين في حاجة الى نصائح من أي طرف آخر، وهناك جهات يجب أن تنصح نفسها قبل أن تنصح غيرها.

 

هل تتوقع من اللبنانيين أن ينزلوا مجددًا الى ساحة الشهداء في ذكرى استشهاد الرئيس الحريري؟

-14 شباط ذكرى أليمة في تاريخ لبنان، يوم استشهاد الرئيس الشهيد رفيق الحريري. كان حيًا فبنى لبنان، وعندما استشهد وضع المدماك الأساسي من أجل استقلال لبنان الثاني. بسبب استشهاد الحريري خرج السوري من لبنان وأصبحت لدينا علاقات دبلوماسية مع سوريا وعاد القرار اللبناني في جزء كبير منه الى اللبنانيين، وبسبب استشهاده اليوم نتكلم عن ترسيم الحدود. كل هذه الأمور عزيزة على قلوب اللبنانيين. أنا لا أستطيع أن أرى أي مكان سوى ساحة الشهداء لإحياء هذه الذكرى، وأتمنى على كل اللبنانيين النزول الى هذه الساحة في 14 شباط لأن المرحلة المقبلة تتطلب الوقوف من أجل إكمال المسيرة ولو ببطء، وفي النهاية الوصول الى الهدف الأساسي الذي يؤمن به كل متمسك بلبنان وباستقلاله.

 

أين أصبحت المحكمة الدولية؟ هل ذهبت مع الريح؟

-كل ما قيل من الناس عن قرار ظني قريب أو توجيه الاتهامات، هو مجرد توقعات وتكهنات. لم يصدر أي شيء من المسؤولين في المحكمة يحدد مواعيد. كل ما صدر عنهم، لا سيما عن القاضي بيلمار، ان المحكمة مستمرة وأنه يمتلك الكثير من القناعات لتوجيه الاتهامات. ما يتداوله الناس توقعات وشائعات، وعدم تحققها في مواعيدها يؤدي الى انتكاسات شعبية وإحباط لدى الفريق المهتم بنتائجها. الأمور تسير في الطريق الصحيحة.

 

لماذا تبدون كأنكم وحدكم تحملون لواء الدفاع عن الأرثوذكس في لبنان؟

-أتمنى ألا أكون الوحيد. إذا كنت الوحيد فنتيجة عملي لن تكون إيجابية ولن نحقق الأهداف. أتمنى على كل الأرثوذكس التضامن لتحقيق الأهداف. في الواقع زرت فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس الحكومة وسيادة المطران الياس عودة وتكلمت في الواقع الأرثوذكسي، وأنا أتابع تحركي، وسأطرح الأمر أيضاً مع الرئيس بري. ما أقوم به هو عرض للمواقع التي كانت تحصل عليها الطائفة الأرثوذكسية في السابق وما تبقى منها اليوم على صعيد المؤسسات الأمنية والعسكرية أو الإدارة، وأين أصبحت تلك المواقع بحسب آخر التعيينات التي تمت في لبنان. الذي حصل بسبب هجوم المذاهب والطوائف على مواقع الدولة من أجل السيطرة عليها، تم في أكثره على حساب الطائفة الأرثوذكسية، ليس لأن الطائفة الأرثوذكسية هي طائفة ضعيفة، فنحن الطائفة الرابعة في الوطن، إنما بسبب العقلية الأرثوذكسية المنفتحة التي كانت تتقبل هذه التنازلات من أجل مصلحة البلد.

وقد تبيّن أن هذه التنازلات في الواقع لم تكن لخير البلد. فالانفتاح الأرثوذكسي على كل الأطراف يعزز مسيرة الدولة. نحن في حاجة الى توسيع مشاركة الأرثوذكس في إدارة الدولة ومؤسساتها الأمنية والإدارية، لأن الأرثوذكس مثال للتعاطي مع كل الفئات اللبنانية بروح منفتحة وعقلية منفتحة، وهم يشكلون عنصر حوار وتلاق في لبنان. لقد كان للأرثوذكس دور في تكوين فكرة لبنان وهويته وثقافته، ولهم في كل مراحل تاريخ لبنان حتى اليوم دور في جعل لبنان بلد العلم والفكر والابداع والانفتاح الحضاري والثقافي.

نأمل بأن يؤخذ في الاعتبار أن الطائفة الأرثوذكسية طائفة علم وكفايات، وأن يتاح لأبنائها أن يتولوا مناصب مهمة واساسية وفاعلة، تتناسب مع حجم الطائفة، وتتيح للبنان الافادة من الطاقات التي تضمها. وفي هذا المعنى، وفي الوقت المناسب، عندما يفتح موضوع استحداث مجلس شيوخ، سنطرح أن تكون رئاسته للأرثوذكس، انطلاقاً مما ذكرته. فثمة ثلاث رئاسات اليوم، واحدة للمسيحيين واثنتان للمسلمين السنة والشيعة، واذا استحدثت رئاسة رابعة، فيجب ان تكون للمسيحيين انطلاقاً من مبدأ المناصفة، وبالتالي يجب ان تكون رئاسة مجلس الشيوخ للطائفة الأرثوذكسية.

من جهة أخرى، في ما يلي الكلمة، المشكورة، التي دوّنها دولة الرئيس فريد مكاري في سجل "المسيرة" الذهبي، في مناسبة احتفال المجلة بيوبيلها الفضي طيلة هذه السنة، كتب دولته:

"المسيرة التي بدأتموها على الورق قبل خمسة وعشرين عامًا، والتي تحتفلون هذه السنة بيوبيلها الفضي، سنستمر في العمل على الأرض لتصل الى مرحلتها الذهبية وتحقق أهدافها المتمثلة في سيادة لبنان الكاملة وحريته واستقلاله وبناء الدولة الحقيقية فيه.

شكرًا لكل جهودكم ولكل التزامكم، ومعًا نحو مستقبل أفضل لوطننا".

 
 
 
3 2 1
20 Nov 18
مكاري بعد لقائه المطران عودة: الحل الوحيد لتشكيل الحكومة هو اتباع الدستور