1 2 3
 
28 Aug 17
مكاري: الكلام عن توظيف القدرات في بناء الدولة جديد ويمكن البناء عليه لكنّ شرط تحقيقه الإقرار بأن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار السيادي
 
 
 
 
 
 
 
 
 
   
 
 
14 February 09

معرفتي برفيق الحريري تعود الى 34 سنة. كان ذلك في العام 1974، ولم تكن الحرب بدأت، عندما التقيته لمرة الأولى في بيروت، من طريق قريب له وصديق مشترك. كنت متخرجاً حديثاً من كلية الهندسة  في جامعة تكساس الأميركية، وكنت بدأت العمل في شركة كبيرة، لكن رفيق الحريري عرض عليّ العمل معه في شركته للمقاولات في المملكة العربية السعودية.

في تلك المرحلة، كان رفيق الحريري لا يزال مقاولاً عادياً، ولم يكن من المنطقي أن أترك الشركة المهمة الى مغامرة مجهولة المستقبل والأفق. ومع ذلك، شرح لي الرجل الطموح، بكثير من المنطق، أن العمل مع شركة صغيرة حديثة الإنطلاق له ايجابيات كثيرة، فمجال التقدم فيها مفتوح ومتاح. وقال الي: إذا نجحت الشركة تنجح معها، واذا كبرت تكبر معها، أما اذا فشلت فتكون اكتسبت خبرة اضافية، ولا خوف عليك لأن العمر أمامك ولديك ما يكفي من المؤهلات العلمية لتعوّض وتنطلق مجدداً.

أقنعني رفيق الحريري، بالفعل، بان العمل معه يستحق المخاطرة. مارس عليّ سحره الذي صنع أسطورته، فلم أصمد، وتبعته. يومها، لمست للمرة الأولى في رفيق الحريري ما أثبتته الأيام والسنوات لاحقاً: موهبة المفاوض البارع في الاقناع، وشجاعة المغامر بحكمة، الواثق بنفسه وبقدراته، المؤمن بمشروعه، المتيقن من نجاحه، وطينة القيادي الذي يحفّز العاملين معه، ويبثّ فيهم الحماسة والاندفاع لاعطاء أفضل ما يملكون.

ويوماً بعد يوم، تجربة بعد تجربة، راحت تتكشف لي ملامح الشخصية التي جعلت من رفيق الحريري، بعد سنوات، رجلاً ناجحاً، ثم رجل دولة تاريخياً.

في بدايات رحلتي مع رفيق الحريري، عملنا في ظروف بالغة الصعوبة. في تلك الحقبة، منتصف السبعينات، حصلت الطفرة النفطية، وارتفعت اسعار مواد البناء بشكل جنوني. مقاولون كثر أوقفوا العمل، وتخلّوا عن التزاماتهم، لكنّ رفيق الحريري تصرّف على نحو مختلف:  أصرّ على اتمام المشاريع التي كان تعهدها، ولو بالاسعار القديمة، واستمر في تنفيذ التزامته مع أن احواله المادية لم تكن تسمح بذلك. خسر رفيق الحريري بعض المال، مرحلياً، لكنه ربح ثروة للمستقبل: ثقة الناس به. وكالعادة، كان قرار الحريري وخياره وطريقة تصرفه درساً في المسؤولية والالتزام، وهما صفتان أساسيتان من صفات الناجحين.

وفي أواخر العام 1977 فتحت ابواب الخير في وجه رفيق الحريري، وبدأ اسمه يلمع في عالم الأعمال والبناء. بدأ يكبر، وبدأنا نكبر معه، أنا وغيري، كما كان يتوقع.

لكنّ الحريري كان أصبح، بالنسبة اليّ، أكثر بكثير من "ربّ عمل". فقد نشأت بيننا صداقة شخصية، وكنت أشعر، في الظروف الصعبة، انه صديق يمكنني ان اعبّر له عن قلقي. فعلاقتي معه ومع عائلته تعدّت الصداقة، وارتقت الى مصاف الأخوّة. صرت أشعر أني جزء من بيته، وبات هو ينظر اليّ على أنّي أخ له وجزء من عائلته.

كنت تجاوزت الثلاثين من عمري بقليل عندما بدأ يقنعني بضرورة أن أكوّن عائلة. وعندما تزوجت في العام 1981، أصريّت على اختياره ليكون اشبينا لي، والإشبين عندنا، نحن المسيحيين، يكون عادة الشقيق الأكبر أو الصديق الحميم. ورغم علاقتي القوية بأشقائي، وقع خياري على رفيق الحريري، فهو كان يمثّل الاثنين في آن واحد، الشقيق والصديق. ويوم أطلّ نجلي البكر، نبيل، على الدنيا، كانت فرحة رفيق الحريري وزوجته السيدة نازك بحجم فرحتنا زوجتي وأنا، وأبديا عاطفة كبيرة. ونازك، التي كانت مثابة أخت لزوجتي، كان لها، بيني وبين رفيق الحريري، دور صمّام الأمان للعلاقة، فاذا تطور اختلاف بيني وبينه، في العمل أو في غيره، الى زعل، وهو ما يحصل حتى بين الأخوة، كانت هي هنا، حاضرة، تذكّرنا بأن ما بيننا أقوى، وتتكفل اعادة الأمور الى نصابها.

في العام 1982، كان الاجتياح الاسرائيلي للبنان، ودخول الجيش الاسرائيلي بيروت، صدمة كبيرة لرفيق الحريري. ومن الزاوية الإنسانية، أطلّ رفيق الحريري للمرة الأولى على الشأن العام، من خلال مساعداته للبيروتيين على الصمود. وبعد الانسحاب الاسرائيلي من بيروت، وضع الحريري امكاناته لتنظيف بيروت ومحو آثار الاحتلال من شوارعها.

منذ البداية، أراد رفيق الحريري أن يبقى تعاطيه الشأن الوطني "نظيفاً". لم يتزعم ميليشيا، بل اختار أن ينشىء جيشاً: جيش المتعلمين وأصحاب الكفايات. كان يعتبر أن الطريقة المثلى لبناء لبنان هي بناء الانسان اللبناني، واستثمار الثروة الأهم التي يملكها لبنان، وهي طاقته البشرية. كان يؤمن بالعقل اللبناني، وبالقدرات التي لدى اللبنانيين، والتي تجعلهم يتفوقون أينما حلّوا.

في هذه اللحظة الصعبة من تاريخ لبنان، كان الحريري يراهن على المستقبل ويعمل لبنائه، وفيما كان الوطن يحترق، كان هو يضيء الشعلة، ويطلق مؤسسة الحريري التي راحت ترفد القطاعين العام والخاص بشباب يملكون مؤهلات علمية عالية.

كان التعليم واحداً من أوجه عمل الخير الذي نشط فيه الحريري. كان عمل الخير جزءاً من شخصيته وتربيته، ولم يكن يتردد، حتى قبل أن يصبح ميسوراً، في الاستدانة من أجل عمل خير، وقد خبرت ذلك شخصياً. فذات مرة، في العام 1977، قرأت خبراً عن أن الحريري تبرع بمبلغ 200 ألف ليرة لجمعية المقاصد، وكانت يومها تساوي 300 ألف ريال سعودي، فاستغربت كيف يتبرع بهذا المبلغ في وقت كنا مديونين بسبب ارتفاع أسعار مواد البناء. وعندما نقلت اليه استغرابي، سألني: كم يتوجب علينا من ديون؟ أجبته: 17 مليون ريال. فسارع الى القول: الآن صاروا 17 مليونا و300 ألف.

وكان الحريري يحرص على ألا يشعر من يحصلون منه ومن مؤسسته على المساعدات، بأي شعور اذلال أو استجداء. كان كريماً...ويحرص على كرامة من يُكرمهم، فلا يمنّنهم، ولا يتعامل معهم بفوقية.

في السياسة أيضاً، كان رفيق الحريري هكذا. يعطي من جهده ووقته وماله ورصيده المعنوي والمادي، من دون حساب...ولا حسابات. لكنه تميز دائماً بأنه محاور...يأخذ ويعطي. منذ مهامه السياسية الأولى، وسيطاً، في مؤتمري جنيف ولوزان، ظهرت مميزاته: صبور، بارع في تذليل الصعاب، يهوّن من العقبات، ويبتدع لها حلولاً، ويقرّب وجهات النظر، وخصوصاً أن صداقاته كانت تشمل الجميع.

أتاح لي وجودي بالقرب من رفيق الحريري في مرحلة "سياسة الكواليس" هذه، وصولاً الى اتفاق الطائف، أن ألمس القدرات الهائلة التي كان يملكها. كان مثابراً، لا يتعب ولا يملّ، ولا ينفكّ يحاول حتى ينجح. لم يكن يتخلى عن التزامه مهما كان الثمن. كان هذا أول ما تعلمته منه في العمل، وكان هذا نفسه الخط الذي لم يحد عنه طوال حياته، حتى في السياسة التي لا خطوط مستقيمة فيها.

وعندما انتقل الحريري الى الواجهة السياسية والوطنية في العام 1992، كنت أيضاً هنا، معه. اصبح هو رئيس حكومة، وانتخبت أنا نائباً، وعينت وزيراً. وفي سدّة الحكم، كان هاجس رفيق الحريري الإنماء. كان يؤمن بأن الإنماء وحده ينقذ لبنان.

في تلك المرحلة، كان السوري لا يزال رابضاً على صدر لبنان، يمنع البلد من التنفس. وكان رفيق الحريري يعرف هذا الواقع ويأمل، كمعظم اللبنانيين، انتهاءه، لكنه، في الوقت نفسه، كان يدرك ان الوقت لم يحن بعد لخروج السوريين، وأن المعادلة الدولية كانت لا تزال تفرض بقاءهم في لبنان، وخصوصاً أن الجيش الاسرائيلي كان لا يزال يحتل الجنوب. ورغم أنه، خلال مختلف مراحل وجوده في السلطة، عانى العبء الثقيل لتدخل السوريين في الشؤون السياسية اللبنانية، كان يعرف ان الظرف لم يكن نضج بعد. أما بعد الانسحاب الاسرائيلي، فبات رفيق الحريري مقتنعا بأن موعد خروج الجيش السوري من لبنان قد حان، لكنه كان يرى ان افضل طريقة لذلك هي الاقناع والحوار.

في هذه الظروف، جاء 14 شباط 2005، المحطة المفصلية. فقد لبنان رجلاً تاريخياً، وربح استقلالاً. أما أنا، ففقدت أخاً وصديقاً ومعلّماً وقائداً... ورفيق درب. كل قطرة دم نزفها جسم رفيق الحريري، نزفها قلبي أيضاً. اليك يا رفيقي، هناك، عند الرفيق الأعلى، كل الحبّ.